السيد محمد تقي المدرسي
60
من هدى القرآن
أَدْبَارِهَا « 1 » أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ( 47 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ( 48 ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ « 2 » أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا « 3 » ( 49 ) انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ( 50 ) هدى من الآيات : الآية الأولى تتناول التطهر وتثير هذا السؤال : لماذا هنا بالذات بين القرآن موضوع الطهارة الجسدية ؟ ألم يكن من الأولى أن تتحدث عنها ضمن آيات الصلاة مثلًا ؟ . الجواب : بالإضافة إلى طبيعة التفاعل بين الطهارة الجسدية ( موضوع الآية ) والطهارة الروحية ( موضوع الآيات السابقة واللاحقة ) فإن هناك جانباً أساسيًّا آخر يبينه لحن ألفاظ القرآن هو الجانب الاجتماعي من الطهارة ، حيث يتحمل الإنسان مسؤولية النظافة رعاية لمشاعر الآخرين ، فحين يدخل المسجد ويتواجه مع المجتمع فيه عليه أن يكون نظيفاً من السكر والجنابة ، فحتى لو لم يستطع التطهر بالماء ، فعليه أن يتطهر بالتراب ليرفع عن نفسه قذرات الجنابة أو الغائط . وبعد الحديث عن هذه المسؤولية يتناول القرآن مسؤولية العلم ، باعتباره أداة فعالة لبناء المجتمع إذا استخدم بأمانة ، أو هدمه لو خان صاحبه الأمانة . وعلم الدين هو أبرز مظاهر العلم ، وهؤلاء الذين يدعون علم الدين ( وهم في الواقع لا يعرفون منه إلا قليلًا ) ويخونون أمانة العلم في أعناقهم من أجل مصالح عاجلة وزهيدة ، هؤلاء يضلون الناس بدل أن يهدوهم ، ويحرفون كلام الله ، وينافقون مع رسله ، وعاقبة هؤلاء لعنة في الدنيا وعذاب في الآخرة ، حيث تنحرف عنهم الجماهير في الدنيا ، ويحاسبهم الله في الآخرة حساب المشركين . ومن صفة هؤلاء أنهم يزكون أنفسهم ، ويجعلونها فوق الجميع ، ويكذبون على الله ، ويفضلون قيادة الظلمة ( الطواغيت ) على قيادة الله ورسله .
--> ( 1 ) أدبار : جمع دبر وأصله من الدبر إذا صار خلفه . ( 2 ) يزكون : التزكية التطهير والتنزيه . ( 3 ) فتيلًا : الفتيل هو ما في شق النواة من خيط ضعيف .